
تخيّل أن تأكل أجبان وألبان مصنوعة من حليب مهرّب عبر أنابيب النّفط، سيناريو كشفه الجيش اللبناني أسدل الستارة على كارثة غذائيّة وأعادت إلى الواجهة الصّحة الغذائية للمواطن اللبناني.
إذ أعلنت مديرية مخابرات الجيش اللبناني عن ضبط خراطيم مخصّصة لتهريب الحليب من الأراضي السورية إلى لبنان، في منطقة مشاريع القاع الحدودية، وسط تحذيرات من تداعيات هذه العمليات على السلامة الغذائية والقطاع الزراعي المحلي.
بدوره، حذّر رئيس بلدية القاع بشير مطر من المخاطر الصحية التي قد تنتج عن تهريب الحليب بهذه الطريقة، ووصف العملية بالـ«جريمة مكتملة الأركان».
مشيرًا إلى أن نقل الحليب عبر خراطيم ووسائل بدائية، في ظل تعرّضها للشمس والأتربة واحتمالات التلوث، يثير مخاوف بشأن سلامة المنتج، ولا سيما مع ترجيحات باستخدام بعض هذه الخراطيم سابقًا في تهريب المحروقات.
كما لفت مطر إلى أن هذه الأساليب قد تؤدي إلى تلوث الحليب بالبكتيريا، ناهيك عن احتمال انتقال أمراض مرتبطة بالمواشي، كما دعا أيضًا معامل الألبان والأجبان إلى الامتناع عن استلام أي كميات لا تخضع للرقابة والفحوص اللازمة.
في المقابل، أعلنت وزارة الاقتصاد اللبنانية أن مديرية حماية المستهلك تتدخّل بعد إحالة المعطيات الرّسمية إليها من الجهات الأمنية والقضائية، وأشارت إلى أن مكافحة تهريب المواد الغذائية تبدأ من المعابر والجمارك، فيما تتولى وزارة الزراعة الفحوص المرتبطة بالسلامة الغذائية، وتتابع الأجهزة الأمنية والقضاء التحقيقات والإجراءات اللازمة.
كما كشفت صحيفة "النهار" نقلًا عن مصدر أمني، بأن الخراطيم المضبوطة امتدّت لنحو 230 مترًا داخل الساتر الترابي الفاصل بين البلدين، وكانت تُستخدم لضخّ كميات تتراوح بين طنين وثلاثة أطنان من الحليب يوميًا.
وعملت مخابرات الجيش على قطع نحو 150 مترًا من هذه الخراطيم، وإتلاف الجزء المتبقي الممتد تحت الأرض.
تأثير هذا التّهريب ليس صحيًّا فحسب، بل ينسحب على الاقتصاد أيضًا، فوفق معطيات مصلحة الزراعة في بعلبك، تتراوح الكميّة المهربّة أسبوعيًّا بين ألف وألفي تنكة من الجبن الأبيض، وتزن التنكة الواحدة منها بين 16 و20 كيلوغرامًا تقريبًا. هذا يعني أنّ هذه الكميات المهرّبة تفوق إنتاج منطقة البقاع الشمالي من الحليب.
ووفق خبراء، يحتاج إنتاج التنكة الواحدة من الجبن إلى نحو 100 كيلوغرام من الحليب، فيما يتراوح إنتاج البقاع الشمالي من الحليب بين 30 و40 طنًا يوميًا.
هذا يزيد من الضغط على المزارعين والمعامل المحلية التي تواجه صعوبات في تصريف إنتاجها.
من هنا، قدّر مصدر في مصلحة الزراعة قيمة الحليب المستخدم في تصنيع الكميات المهرّبة بنحو 100.000 دولار أسبوعيًا، كما لفت إلى أنّ بيع الأجبان المهرّبة بأسعار تقلّ عن أسعار المنتجات المحلية لديه تأثير سلبي على المزارعين ومصانع الألبان والأجبان في المحليّة.
وبحسب المعطيات أيضًا، تُوزَّع هذه المنتجات على أفران المناقيش ومحال السوبرماركت والأسواق الشعبية في بيروت وطرابلس وصيدا والضاحية الجنوبية، فيما لا يزال تسويقها محدودًا في بعلبك والهرمل، في ظل وجود معامل محلية في المنطقة.
ويبقى السؤال إلى متى سيستمر الاستخفاف بصحة المواطن، ومتى ستتحرك الدّولة لضبط الحدود اللبنانيّة- السورية ووقف التّهريب في شتى أنواعه؟