
تحوّل اقتراح قانون إخضاع المتعاقدين في وزارة الإعلام لشرعة التقاعد إلى أحد أكثر البنود إحتدامًا، بعدما شهدت القاعة مشادات وصراخًا واعتراضات على آلية التصويت، قبل أن يُقرّ الاقتراح في نهاية المطاف.
لكن ما هو هذا القانون؟ ولماذا أثار كل هذا الانقسام؟
هم موظفون يعملون في وزارة الإعلام منذ سنوات، وبعضهم منذ عقود، في مؤسسات مثل الوكالة الوطنية للإعلام وإذاعة لبنان ومديريات أخرى، لكنهم يعملون بصفتهم "متعاقدين"، أي أنهم لا يستفيدون من نظام التقاعد المعمول به لموظفين آخرين في الدولة.
ببساطة، يعني أن يصبح هؤلاء المتعاقدون مشمولين بنظام يتيح لهم الحصول على معاش تقاعدي بعد انتهاء خدمتهم، بدل الاكتفاء بتعويضات محدودة أو الخروج من الخدمة من دون معاش تقاعدي.
ويقول مؤيدو الاقتراح إن هؤلاء أمضوا سنوات طويلة في خدمة الوزارة، ومن حقهم الحصول على ضمانة اجتماعية بعد التقاعد. وهؤلاء ليسوا متعاقدين جددًا أو موظفين مؤقتين، بل أشخاص يؤدون وظائف دائمة في مؤسسات إعلامية رسمية منذ عقود أحيانًا، وأصبحوا يشكلون العمود الفقري للعمل اليومي في الوزارة. ومن هنا يطالبون بمعاملتهم بشكل مختلف عن بعض أنواع التعاقد الأخرى في الإدارات العامة.
وفي السياق نفسه، ترى الجهة المؤيدة أن وزارة الإعلام تتمتع بخصوصية قانونية، تختلف عن باقي الوزارات، وأن المتعاقدين فيها ينتظرون هذا الحق منذ سنوات، وبالتالي لا يجوز تأخير إقراره أكثر.
الخلاف لم يكن فقط حول حقوق المتعاقدين، بل حول تداعيات إقرار القانون.
حذّر معارضون (نواب الكتائب وبعض نواب التغيير) من أن منح هذه الميزة لفئة محددة قد يفتح الباب أمام مطالب مماثلة من آلاف المتعاقدين في الإدارات العامة الأخرى، ما قد يرتب أعباءً مالية إضافية على الدولة، معتبرين أن الملف يجب أن يُعالج ضمن رؤية شاملة لجميع المتعاقدين.
ازدادت حساسية الملف خلال الأيام الماضية بعدما حذّر المتعاقدون من أن مشروع قانون الإعلام الجديد يتضمن إعادة هيكلة قد تطال مديريات الوزارة، مطالبين بإقرار قانون التقاعد أولًا لضمان حقوقهم قبل أي تعديل في هيكلية الوزارة، ولوّحوا بالإضراب المفتوح إذا لم يُقر القانون.
تُعدّ وزارة الإعلام حالة مختلفة عن عدد من الوزارات الأخرى، سواء لناحية العدد الكبير من المتعاقدين غير المثبّتين فيها، أو لناحية تنوّع المؤسسات الإعلامية الرسمية التي تقع تحت إشرافها. ويمكن تلخيص أبرز أسباب هذه الخصوصية بالنقاط التالية:
-وجود مؤسسات إعلامية رسمية تابعة لها، أبرزها الوكالة الوطنية للإعلام وإذاعة لبنان.
-استمرار عدد من المتعاقدين في أداء وظائف دائمة لعشرات السنوات، في ظل محدودية التعيينات النظامية أو توقفها لفترات طويلة.
-المخاوف من أن تؤثر أي إعادة هيكلة للقطاع الإعلامي الرسمي أو تطبيق قانون الإعلام الجديد على الاستقرار الوظيفي وحقوق هؤلاء العاملين.
خلال الجلسة، اندلع خلاف بين عدد من النواب على خلفية طريقة التصويت، إذ طالب الكتائب وبعض نواب التغييريّين بإجراء التصويت بالمناداة بالأسماء، فيما لم يُعتمد هذا الأسلوب من رئيس مجلس النواب نبيع بري، ما أدى إلى مشادات كلامية وارتفاع حدة التوتر داخل القاعة. وبعد ذلك، أُقر اقتراح القانون، بأكثرية 61 صوتًا مقابل 30.
بالتأكيد، قد يواجه هذا الإقرار انتقادات أو عوائق عند مرحلة التطبيق، لذلك يبقى السؤال: هل يُعاقَب من أمضى سنوات عمره في خدمة الدولة بحرمانه من حقوقه بحجّة أن الدولة عاجزة عن إنصاف الجميع؟ أم أن المطلوب هو إصلاح الدولة نفسها وماليتها العامة، لتكون هذه الخطوة الأولى على طريق إنصاف جميع أصحاب الحقوق، بدل تأجيل العدالة إلى حين إيجاد حل شامل؟