
جان ماري توما-
"شرّفنا ععنجر"... عبارةٌ يعرف اللبناني تمامًا ما تعنيه. تعيدنا إلى مرحلة الاحتلال السوري (1976–2005)، حين اتّخذت عنجر مقرًا أساسيًا لإدارة الملف اللبناني أمنيًا وسياسيًا. هناك، كانت شعبة المخابرات العسكرية السورية تستدعي سياسيين لإبلاغهم بما هو مطلوب منهم — أو بالأحرى، بما يُفرض عليهم — كما طالت الاستدعاءات إعلاميين وناشطين وغيرهم، للتحقيق أو الاحتجاز. وفي الذاكرة الجماعية، بقيت العبارة التي تختصر رهبة تلك المرحلة: "الداخل مفقود والخارج مولود".
واليوم، أعاد رئيس مجلس النواب نبيه بري طرح سؤالٍ أعاد اللبنانيين سنواتٍ إلى الوراء، وذكّرهم بحقبة يتمنّى كثيرون طيّ صفحتها: "هل انتقلنا من عنجر إلى عوكر؟". والمقصود بـعوكر واضح: السفارة الأميركية، بوصفها رمزًا لدور خارجي يُنظر إليه كفاعل في رسم مسارات المرحلة.
قبل مقاربة سؤال نبيه بري، لا بدّ من التذكير بما مثّلته عنجر. لم تكن مجرّد موقع أمني، بل مركز نفوذ تُدار فيه ملفات لبنانية حسّاسة، وتُرسم عبره خطوط السياسة الداخلية. تعاقب على إدارة هذا الملف ضباط سوريون بارزون، في مقدّمهم غازي كنعان ثم رستم غزالي، اللذان لعبا دورًا محوريًا ظالمًا في تلك المرحلة. ومن عنجر، كانت تمرّ الاستدعاءات، وتُبلّغ التوجّهات، وتُمارَس ضغوط متفاوتة على أطراف لبنانيين، في مشهدٍ طبع السواد على الحياة السياسية لسنوات طويلة.
اليوم، يطرح بري هواجس من انتقالٍ مماثل، ولكن بأدوات مختلفة. فثمّة من يرى في الضغوط الأميركية المتزايدة — سياسيًا ودبلوماسيًا — محاولةً لفرض خيارات كـ"السلام" و"التطبيع" مع إسرائيل، كمسارٍ شبه وحيد، حتى قبل أي انسحاب من الأراضي المحتلة، أو استعادة الأسرى، أو محاسبة على ما ارتُكب من انتهاكات جسيمة.
اليوم، يطرح نبيه بري هاجس انتقال نموذج عنجر إلى عوكر، في ظلّ ما يُنظر إليه كضغوطٍ أميركيّة متصاعدة تُترجَم أوامر وإملاءات على اللبنانيين، ومحاولة فرض “السلام” و“التطبيع” مع إسرائيل كخيارٍ وحيد—حتّى قبل أي انسحابٍ من الأراضي المحتلّة، وقبل استعادة الأسرى، وقبل أن تجفّ دماء الشهداء، وقبل أي محاسبة على جرائم حرب موثّقة: قتل صحافيّين، استهداف أطفال ونساء، ومجازر طاولت عائلاتٍ بأكملها.
في هذا المشهد، يُقدَّم "السلام" كإنذارٍ لا كخيار: إمّا القبول به وفق الشروط المطروحة، وإمّا الانهيار. في المقابل، تستمرّ إسرائيل في تدمير بلدات الجنوب، وسقوط الشهداء بشكلٍ متواصل، بما يُفرغ أي حديث عن السلام من مضمونه، ويجعله منفصلًا بالكامل عن العدالة والواقع.
وبالتوازي، تتصاعد لغة الضغط إلى حدّ التهديد، حيث يُدفع لبنان إلى زوايا ضيّقة، وتُوضع رئاسة الجمهورية—برئاسة جوزاف عون—أمام خياراتٍ قسرية: إمّا الانخراط في مساراتٍ مفروضة ومقابلة نتنياهو، وإمّا مواجهة تصعيدٍ مفتوح.
من هنا، تأتي عبارة "من عنجر إلى عوكر" كتحذير سياسي صريح: الخشية ليست فقط من تبدّل العناوين، بل من بقاء المنطق نفسه — أي انتقال مركز التأثير من جهة خارجية تأمر لبنان ورؤسائه إلى أخرى، ويبقى القرار اللبناني عرضةً للضغط. وبين الأمس واليوم، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تغيّر المشهد فعلًا، أم تغيّرت فقط وجوه اللاعبين؟