
تحدث ظاهرة تبدو غريبة للعقل البشري في أقاصي الكرة الأرضيّة، حيث تمتد فترات طويلة من الظلام لأيّام أو أسابيع، ولا تشرق الشمس على الإطلاق. هذه الظاهرة ليست قصة خياليّة، بل حقيقة طبيعيّة يعيشها سكّان مناطق في العالم، وتكشف عن غرابة واتّساع كوكبنا المذهل.
تُسمّى هذه الظاهرة اللّيل القطبي "Polar Night"، وتحدث في المناطق الواقعة داخل الدائرة القطبيّة الشماليّة أو الجنوبيّة، إذ خلال الشتاء، يكون القطب البعيد مائلًا عن الشمس، فلا يرتفع قرصها فوق الأفق طوال اليوم، ما ينتج عنه ظلام شبه دائم.
- أوتسكياك، ألاسكا - الولايات المتّحدة: لا تشرق الشمس لمدّة أكثر من شهرين كاملين خلال فصل الشتاء، ما يجعل السكّان يعيشون في ظلام شبه مطلق.
- سفالبارد، النرويج: يمتد اللّيل القطبي أحيانًا من أواخر تشرين أوّل حتّى منتصف شباط، ويُعَدّ من أطول الظلام في العالم.
- القطب الجنوبي: يمر بفترة ستّة أشهر كاملة دون شمس في فصل الشتاء، بينما في الصيف لا تغرب الشمس لمدّة مماثلة.
السبب وراء هذه الظاهرة هو ميل محور الأرض أثناء دورانها حول الشمس، عندما يميل أحد القطبين بعيدًا عن الشمس، يبقى قرصها أسفل الأفق طوال اليوم، فلا شروق ولا غروب، فقط ظلام أو ضوء خافت في بعض المناطق القريبة من الحدود القطبية.
على الرغم من صعوبة الظلام الطويل، تمكّن السكّان المحليّون من التكيّف، حيث يستخدمون إضاءة اصطناعيّة لتنظيم حياتهم اليوميّة، وتعتمد الأنشطة الاجتماعيّة على الطقوس والمهرجانات لاستقبال عودة الشمس بعد انتهاء فترة اللّيل القطبي. كما يمكن رؤية الشفق القطبي أو الأضواء الشماليّة، التي تُقدّر جمال الظلام المهيب وتمنح سكّان المنطقة تجربة فريدة لا تُنسى.
في الصيف، يحدث العكس تمامًا في المناطق القطبيّة، إذ لا تغرب الشمس أبدًا لأسابيع متواصلة، وهي ظاهرة تُعرف باسم شمس منتصف اللّيل. يمكن رؤيتها في مناطق مثل شمال النرويج وكندا وفنلندا، حيث تستمر الحياة الطبيعيّة رغم ضوء النهار المستمر.
اللّيل القطبي وشمس منتصف اللّيل هما تذكير مذهل بمدى غرابة كوكبنا وعجائبه الطبيعيّة. في هذه المناطق، لا يتبع اللّيل والنهار الساعات التقليديّة، بل يخضعان لقوانين الأرض في دورانها وميلها في الفضاء. الظلام الأبدي ليس تهديدًا، بل تجربة طبيعيّة مذهلة تعكس تعايش الإنسان مع الطبيعة في أقصى ظروفها.