
ماري-جوزيه السّاحلاني
تأتي الذكرى الـ51 للحرب اللبنانية، في ظل حرب شعواء يخوضها لبنان مع إسرائيل، وفي أعقاب فتنة داخليّة تتغلغل شيئًا فشيئًا بين اللّبنانيين.
ففي هذه المرحلة الدقيقة والحساسة لا نشهد التحامًا وتضامنًا بين الشعب اللبناني بل نشهد انقسام حاد وارتفاع في نبرة التخوين "هذا إيراني وذاك صهيوني" ولبنان يتشرذم وتتقطع أوصاله.
المفارقة أنّ الجميع يريد الـ10452 كيلومتر مربّع لكن كلٌّ على طريقته وطريقته هي تخوين الآخر والخوف من الآخر!
فقبل أن نستفيض بالحديث عن احتماليّة حدوث حرب أهليّة أم لا، نقدّم لكم نموذجًا صغيرًا لكنّه دليل قاطع يجعلكم تبنون فكرة عن الإسرائيلي الذّي يطمح إلى الحرب الأهليّة في لبنان.
إذا نظرنا إلى الحرب اللّبنانيّة، وما عاشه اللّبنانيّون حينها من قتل ودمار وذبح على الهويّة وانقسام بيروت بين شرقيّة وغربيّة، نقول "تنذكر وما تنعاد".
في المقابل كل المؤشّرات تؤكّد أنّ اللّبناني لا يتعلّم من تجارب الماضي، لذا تنقسم الآراء بين من يرجّح حصول حرب أهليّة ومن ينفي ذلك بشكل قاطع.
أوّلًا، التّخوّف من شارع مقابل شارع: مع الحديث عن مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، شهد الشّارع اللّبناني تظاهرات من مناصري الثّنائي الشّيعي اعتراضًا على هذا القرار أمام السّراي الحكومي.
طبعًا هذه التّحرّكات لاقت انتقادات كثيرة من الشّارع السني الذّي أعلن دعمه الكامل لرئيس الحكومة نواف سلام، حتّى من الذين كانوا يعارضون سياسته في السّابق، لكن "بس تحز المحزوزيّة، بدنا ندعم إبن الطايفة".
فسارع كل من قيادتي حركة أمل وحزب الله إلى دعوة مناصريهم لوقف التّظاهرات بسبب الأوضاع الرّاهنة. لكن من الواضح أنّ هذا الطّلب جاء لامتصاص غضب الشّارع ومنع حدوث أي فتنة داخليّة.
ثانيًا، انقسام حاد في الآراء بين اللّبنانيين: فئة من اللّبنانييّن ترفض الحرب بشكل قاطع فيما تصر فئة أخرى على خوض الحرب معتبرة أنّها تريد أن تحرّر آخر شبر محتل من لبنان، والاصرار على توقّف الاعتداءات والاغتيالات والضربات العشوائيّة التي كان يشنّها الجيش الإسرائيلي خلال 15 شهرًا ما قبل 2 آذار الماضي.
وطبعًا يتّبع الطّرفان سياسة التّخوين. ما يخلق فتنة وحقد متبادل يصل إلى حد الشّماتة بمعاناة الطرف الآخر.
ثالثًا، الارتباط بالخارج: بالنّسبة إلى البعض، فاللّبنانيين بكل طوائفهم مرتبطين بالخارج، والخارج يمتلك مصالح بتقوية طرف وإضعاف الآخر لذا سيستغل الانقسام ويدعم الفئة التّي تؤيّده بكل المعدّات اللّازمة بحال أصبحت الحرب أمرًا واقعًا.
في المقابل هناك من يعتبر أنّ الحرب الأهليّة سيناريو مستبعد، ويُستخدم كمبدأ للتّهويل.
أوّلًا: غياب البيئة الحاضنة للحرب: في العام 1975 كان الجميع مستعد نفسيًّا للحرب، وكان الجميع مستعد للقتال والوقوف خلف المتاريس، مقتنعًا أنّه قادر على إلغاء الآخر و"الاستمتاع بالعيش من دونه" على عكس الواقع الحالي الذّي أوضح أنّ لبنان لا يكتمل من دون كامل مكوّناته وأطيافه.
أيضًا اللّبنانيون تعبوا من الحروب ولا يريدون فتح جبهة لا يعرفون كيف ستنتهي.
ثانيًا: اختلال ميزان القوى الدّاخلي: من أجل اندلاع حرب أهليّة يجب أن يكون هناك توازن لو نسبي بين أطراف النّزاع، وهذا التّوازن غائب اليوم بشكل واضح، هذا لا ينفي احتماليّة حصول فتن أو اشتباكات محدودة لكن حرب أهليّة مكتملة المكوّنات تتطلّب شروط غير متوافرة أقلّه في الوقت الحالي.
ثالثًا: حضور الدولة ولو بشكل محدود: رغم ضعفها، لا تزال مؤسسات الدولة قائمة، خصوصًا الجيش اللبناني، الذي يلعب دور "صمام أمان" في كثير من المحطات، قادر على ضبط الشّارع وحفظ السّلم الأهلي على عكس عام 1975، حين انهارت الدولة بسرعة، وانقسم الجيش.
والواضح من مواقف قائد الجيش رودولف هيكل أنّه حريص كل الحرص على السلم الأهلي.
قبل الحديث عن أي احتمالات يجب ألّا ننسى الطرّف الأهم في النّزاع الدّاخلي والخارجي: إسرائيل التّي تتعمّد خلق الانقسام داخل لبنان لتحقيق مصالحها.
وقد قدّمنا لكم في بداية المقال الفيديو الذّي يظهر العقليّة الإسرائيليّة المخطِّطة للفتنة. إضافة إلى أنّ المتحدّث بإسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي لا يفوّت فرصة ويخرج فيها متوجّهًا إلى اللبنانييّن ويحرّضهم، ويستخدم أدرعي التّحريض أساسًا ليغذّي المحتوى الخاص به وهذا واضح في كل منشوراته.
كما تعمد إسرائيل على استغلال الانقسام وتوسيع الهوّة بين اللبنانيين. وتتفاخر في سعيها إلى خلق الفتنة وزيادة الانقسام.
وإذا نظرنا إلى التّاريخ نرى أنّ في الماضي استغلّت إسرائيل الحرب اللّبنانيّة لتنفّذ مطامعها في لبنان واجتاحت الوطن حتّى بيروت.
فأي حرب بين اللّبنانييّن ستحقّق أي مطامع إسرائيليّة أو خارجيّة، ففي حين ننشغل بقتل بعضنا الآخر تتسلّل إسرائيل إلى الدّاخل لتحتل وتحرق وتقتل!
جيل بكامله لم ينس ما عاشه خلال الحرب اللبنانيّة ويعتبر الطّرف الآخر عدو، وزعماء الأحزاب الذّين هم أصلًا ملوك الحرب الأهليّة يغذّون هذا الانقسام في خطاباتهم الرّنّانة التّي يتوجّهون فيها إلى شعب لبنان.
واليوم يتجسّد هذا الانقسام أكثر من أي وقت مضى، فأبناء الجنوب والضّاحية وبعض قرى البقاع اضطرّوا إلى اللّجوء إلى مناطق ذات أكثريّة مسيحيّة أو سنيّة أو درزيّة، وعند كل استهداف إسرائيلي لمنطقة "خارج نطاق الحرب" يشتعل الشّارع وتعلو الأصوات "ما بدنا ياهن بيناتنا" ليرد الطّرف الآخر "منفرجيكن بعد الحرب"... ناهيك عن الحرب الإلكترونيّة غير المضبوطة التّي نخوضها يوميًّا من دون لا حسيب ولا رقيب.
هذا ما يضخّم التّخوّف من فتن داخليّة. لكن يجب ألّا ننسى أنّ من مصلحة الأحزاب أن يبقوا جماهيرهم تحت وطأة هذا الهاجس، واقناعهم أنّ سيناريو الحرب الأهليّة مطروح، لإقناع الشّعب أنّ الزّعيم سيدافع عن حقوق الطّائفة بوجه "العدو" من الطّائفة الأخرى.
في المحصّلة، حريّة الرّأي حق مقدّس ومكرّس في الدّستور لكن إثارة النّعرات الطّائفيّة والفتن والتّهديد والتّخوين والتّخويف من الحرب، كلّها ممارسات لا تندرج تحت هذا الحق.
اليوم الـ10452 كيلومتر مربّع أمام خطر وجودي حقيقي، فألم يحن الوقت لنتوحّد لنحافظ على لبنان بدلًا من فتح النّقاش عن احتماليّة عودة المتاريس وفتح خطوط التّماس بين الشّياح وعين الرّمانة؟