
لم يكن وصول الجيش الإسرائيلي إلى بيروت في صيف 1982 مجرّد حدثٍ عابرٍ، بل جُرحاً مفتوحاً في الذاكرة اللّبنانية، أعاد رسم ملامح الخوف والحدود معاً. فمنذ ذلك الاجتياح، بقي شبح التقدّم الإسرائيلي حاضراً مع كل تصعيد، يتسلّل إلى وجدان اللّبنانيين كلّما ارتفعت وتيرة التهديدات. اليوم، ومع الحديث عن "منطقة عازلة" جنوباً، يعود السؤال القديم بثقلٍ أكبر: "هل نحن أمام تكرار للتاريخ، أم أنّ السيناريو هذه المرّة قد يذهب أبعد ممّا يخشاه الجميع؟".
صرّح وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأنّ الجيش الإسرائيلي يعتزم احتلال جنوب لبنان وصولاً إلى نهر اللّيطاني، في أوّل إعلان صريح يكشف نيّة إسرائيل فرض سيطرتها على مساحات واسعة من الأراضي اللّبنانيّة بحجة إنشاء "منطقة عازلة". وجاء هذا الموقف بعد تحذير وجّهه المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي إلى جميع السكان جنوب نهر اللّيطاني، دعاهم فيه إلى إخلاء المنطقة.
وقال المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي إيفي ديفرين في 24 آذار، إنّ الجيش يعتبر نهر اللّيطاني "الخط الأمني الشمالي"، وأنّ إسرائيل "توسّع عمليّاتها البريّة". ومع ذلك، لا يزال القتال محصوراً في القرى الحدوديّة الأولى، ولم يُحرز الجيش أي تقدّم ملموس في التوغّل جنوباً حتّى اليوم.
وفي المقابل، أكّد حزب الله عزمه القتال لمنع الجيش الإسرائيلي من احتلال جنوب لبنان، وسط استمرار الاشتباكات في المنطقة مع محاولات الجيش الإسرائيلي التوغّل وتفجير المنازل. وأشارت وسائل إعلام إسرائيلية إلى أنّ الجيش بدأ إنشاء 18 موقعاً عسكرياً جنوب نهر اللّيطاني. كما استهدف البنية التحتية الحيوية في الجنوب، حيث قصف خمسة جسور، من بينها جسر القاسمية الذي تم تدميره.
وأطلق الحزب صواريخ تسبّبت بأضرار وإصابات في شمال إسرائيل. كما أفاد الجيش الإسرائيلي بمقتل أربعة من جنوده في جنوب لبنان منذ الثاني من مارس/آذار، إضافة إلى وفاة مدنيين اثنين في شمال إسرائيل نتيجة صواريخ أُطلقت خلال تلك الفترة.
الذريعة الإسرائيليّة لاحتلال جنوب لبنان اليوم، تحت مسمّى "المنطقة العازلة"، ما هي إلّا غطاء بحجّة حماية مستوطنات الشمال، والتصدّي للحزب. لكن السؤال الأهم: قبل ظهور الحزب، كيف كان شكل الصراع مع إسرائيل وما كانت ذريعتها؟
قبل ظهور حزب اللهفي أوائل الثمانينات، كان الصراع بين إسرائيل ولبنان/الفصائل الفلسطينيّة مختلفاً من حيث الذريعة والأهداف، فدخلت إسرائيل إلى لبنان في عامي 1978 و1982 وكانت الذريعة ما يُسمّى بـ"وقف إطلاق النار على شمال إسرائيل وحماية المستوطنات الحدوديّة" من هجمات منظمة التحرير الفلسطينيّة والفصائل الفلسطينيّة.
في عام 1978، شنّ الجيش الإسرائيلي عمليّة اللّيطاني ودخل جنوب لبنان بذريعة التصدّي لـ"هجمات على مستوطنات شمال إسرائيل". وقال إنّها عمليّة "دفاعيّة" تهدف لإنشاء "منطقة أمان" على طول الحدود، إلّا أن الفصائل الفلسطينيّة لم تضعف بالكامل، وبرزت مقاومة محليّة قويّة في مواجهة الاحتلال.
في عام 1982، حصل الاجتياح الأكبر ووصول الجيش الإسرائيلي إلى بيروت، بعد استمرار الهجمات على شمال إسرائيل، غزت إسرائيل لبنان تحت مسمّى "عمليّة سلامة الجليل"، لكن الهدف الحقيقي كان تفكيك منظمة التحرير الفلسطينيّة وإخراجها من لبنان. وأسفرت الحرب عن قصف عنيف ودمار واسع، إضافة إلى إجلاء آلاف المقاتلين الفلسطينيّين.
ختاماً، يبقى الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان ليس مجرّد مسألة أمنيّة كما تدّعي، بل جزء من خطّة أوسع للسيطرة على الأراضي وتحقيق طموحات توسعيّة تمتد إلى حدود "من الفرات إلى النيل" كما عبّر بعض قادتها، وتشمل التوسع في فلسطين التاريخيّة، لبنان، وسيناء سابقاً، بهدف فرض السيطرة على مناطق استراتيجيّة وطمس أي قوّة مقاومة.
التاريخ يذكّرنا بأنّ الذرائع الأمنيّة كانت دوماً ستاراً لاحتلال ودمار وتشريد، سواء ضد الفلسطينيّين أو ضد اللّبنانيّين. وفي ضوء هذه الوقائع، يطرح السؤال نفسه: "هل سيبقى العالم عاجزاً عن مواجهة هذه الأطماع بينما تستمر الدعاية الكاذبة لتبرير الاحتلال والتوسّع؟".