
آلام الرقبة والظهر أصبحت شكوى يومية لدى كثير من الناس، لكنها غالبًا ليست مجرد صدفة. فالكثير من عاداتنا اليومية، التي نمارسها بلا وعي، تعمل بصمت ضد صحة العمود الفقري وتفاقم الألم مع مرور الوقت. من استخدام الهاتف لساعات طويلة إلى الجلوس الخاطئ أو النوم بوضعيات غير مناسبة، كل هذه التصرفات الصغيرة قد تبدو عادية، لكنها تؤثر بشكل مباشر على وضعية الجسم وصحته العامة.
اللافت أن تحسين هذه الحالة لا يتطلّب حلولًا معقّدة، إذ إن تصحيح بعض السلوكيات اليومية كفيل بإحداث فرق واضح. غير أن المفاجأة تكمن في أن عادات نمارسها بشكل تلقائي قد تكون السبب الخفي وراء آلام الرقبة والظهر، كما يوضح خبراء الصحة وفق ما نشرته مجلة «Real Simple» الأميركية.
استخدام الهاتف
من أكثر هذه العادات شيوعًا إمالة الرأس إلى الأمام أثناء استخدام الهواتف الذكية أو الحواسيب المحمولة. وتوضح الدكتورة شيري ماكاليستر، المتخصصة في تقويم العمود الفقري، أن هذه الوضعية تُعد سببًا رئيسيًا لاختلال استقامة الجسم، إذ يؤدي ابتعاد الرأس عن محاذاته الطبيعية فوق الكتفين إلى زيادة الضغط على العمود الفقري، ما يفسر انتشار آلام الرقبة والكتفين. ومع تكرار هذه العادة، قد يتغير الانحناء الطبيعي للرقبة، ما يفرض عبئًا إضافيًا على الجزء العلوي من الظهر. وللحد من هذه المشكلة، تنصح برفع الشاشات إلى مستوى العين قدر الإمكان.
الجلوس
ولا يقل الجلوس لفترات طويلة خطورة، خاصة في ظل نمط الحياة الحديث الذي يعتمد على العمل المكتبي. فبحسب ماكاليستر، يؤدي الجلوس المطوّل إلى إنهاك العضلات الداعمة للوضعية السليمة، ما يسبب التراخي والانحناء ويخلّ بالانحناءات الطبيعية للعمود الفقري. كما تؤكد أن نوعية الكرسي تلعب دورًا أساسيًا، مشددة على ضرورة اختيار مقاعد توفّر دعمًا جيدًا لمنطقة أسفل الظهر، وارتفاعًا مناسبًا يسمح بوضع القدمين بشكل مريح على الأرض.
النوم
أما النوم، فيُعد عاملًا خفيًا آخر قد يسهم في تدهور وضعية الجسم خلال النهار. فالنوم على البطن، على سبيل المثال، يجبر الرقبة على الالتفاف في اتجاه واحد، ما يؤدي إلى إجهاد عضلي. وتشير مدربة اليوغا ميلي بيردون إلى أن التحكم الكامل في وضعية النوم ليس سهلًا، إذ قد يبدأ الشخص نومه بوضعية صحيحة ثم يستيقظ على أخرى مختلفة، إلا أنها تؤكد أن تحسين الحركة والوضعية خلال النهار يساعد الجسم على الاسترخاء ليلًا، ما ينعكس إيجابًا على النوم ووضعية الجسم معًا.
وتحذّر ماكاليستر أيضًا من استخدام وسائد غير مناسبة أو مراتب قديمة فقدت توازنها، إذ قد تتسبب في مناطق هبوط تؤدي إلى شدّ عضلي واضطراب النوم وإجهاد العمود الفقري. وتنصح بالنوم على الظهر مع وضع وسادة صغيرة تحت الركبتين، أو النوم على الجانب مع وسادة بين الركبتين وأخرى لاحتضانها، لما لذلك من دور في دعم الانحناءات الطبيعية وتحسين جودة النوم.
التمارين الرياضية
ولا يقتصر تأثير الوضعية الخاطئة على الجلوس أو النوم، بل يمتد إلى ممارسة التمارين الرياضية. فرغم أهمية النشاط البدني، فإن أداء التمارين بطريقة غير صحيحة قد ينعكس سلبًا على صحة الجسم. وتوصي بيردون بضرورة الإحماء قبل التمرين عبر حركات خفيفة وديناميكية، مثل تدوير الكتفين وفتح الصدر وتحريك الرقبة بلطف، ما يساعد على تحسين الأداء والحفاظ على وضعية سليمة.
الأحذية
كما تلفت ماكاليستر إلى دور الأحذية في التأثير على توازن الجسم، مشيرة إلى أن ارتداء الكعب العالي، على سبيل المثال، يدفع الحوض إلى الأمام ويخلّ بتوازن الجسم، ما يجبر العضلات على التعويض ويؤثر سلبًا على وضعية العمود الفقري.
صحة العمود الفقري ليست رفاهية، بل أساس حياتنا اليومية. تغييرات صغيرة في روتينك اليومي—من وضعية الجلوس والنوم إلى طريقة استخدام الهاتف والتمارين—يمكن أن تحدث فرقًا كبيرًا. انتبه لجسمك اليوم، فكل خطوة واعية تساعدك على الوقاية من الألم وتحسين جودة حياتك غدًا. تذكّر: الجسم المتوازن يبدأ بعادات صحيحة!