
شادي هيلانة – ليبانوس
لم يحتج أحمد الشرع إلى خطاب طويل في نيويورك حتى يضع الجولان في قلب المشهد. فجملة ساخرة قالها للرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال لقاء سابق، تحوّلت إلى واحدة من أبرز الرسائل السياسية في الأمم المتحدة: قال انّه اقترح على ترامب أن يمنح إسرائيل ولاية نيوجيرسي بدلاً من الجولان.
وأكمل الشرع أنّه مازح ترامب قائلًا أيضًا: "تستطيع التصرف بأرض أميركية تملكها لكنك لا تملك الجولان حتى تمنحه لأحد"..
نذكر أنّ الشرع روى هذه "المزحة" في برنامج المجلس الأطلسي في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.
اللافت في كلام الشرع لم يكن السخرية وحدها، بل المكان الذي اختار فيه إعادة طرحها. ففي المجلس الأطلسي في نيويورك، تحدث عن علاقة وصفها بـ"الفريدة" مع ترامب، مشيراً إلى دعم الرئيس الأميركي لسوريا وقراره رفع العقوبات عنها، قبل أن ينتقل إلى ملف الجولان وقرار ترامب عام 2019 الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية عليه.

وترى المحامية والناشطة القانونية نورهان زيتون، في حديثها لـ"ليبانوس"، أن رسالة الشرع لم تكن مجرد دعابة دبلوماسية، بل جاءت في توقيت محسوب للفصل بين طبيعة العلاقة الشخصيّة-على حدّ قولها- والسياسية مع ترامب وأيضًا بين الملفات التي تعتبرها دمشق مرتبطة مباشرة بسيادتها.
وبحسب زيتون، فإن التقارب السوري – الأميركي وما رافقه من دعم سياسي واقتصادي لا يعني أن دمشق مستعدة لوضع الجولان على طاولة التنازلات، وهو ما أراد الشرع إظهاره بوضوح أمام جمهور أميركي ودولي.
وترى زيتون أن لهجة الشرع تعكس قدراً من الجرأة السياسية، خصوصاً أن ملف الجولان يقع في واحدة من أكثر المناطق حساسية في الحسابات الأميركية والإسرائيلية. ومع ذلك، اختار الرئيس السوري مخاطبة ترامب مباشرة، قبل أن يحوّل الرسالة من مزحة إلى موقف سياسي معلن أمام الأمم المتحدة.
وتكتسب هذه المواقف أهمية إضافية في ظل استمرار قنوات الاتصال بين دمشق وتل أبيب. فالشرع كشف في نيويورك أن الطرفين خاضا جولات عدة من المفاوضات، وأنهما اقتربا في مرحلة معينة من التوصل إلى نحو 90 في المئة من التفاهمات، قبل أن تتراجع إسرائيل أو تطرح شروطاً جديدة، وفق روايته.
وبالتوازي، تؤكد دمشق تمسّكها بخيار الدبلوماسية والتفاوض، رغم استمرار الضربات والعمليات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.
المطروح حالياً، وفق المعطيات والتصريحات المتداولة، يبدو أقرب إلى ترتيبات أمنية منه إلى اتفاق سلام شامل.
وتسعى دمشق إلى وقف العمليات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي التي دخلتها القوات الإسرائيلية بعد سقوط نظام بشار الأسد، إضافة إلى العودة إلى ترتيبات اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974.
في المقابل، تتمسك إسرائيل بمجموعة من المطالب الأمنية، من بينها فرض قيود على الانتشار العسكري السوري في الجنوب، ومنع أنشطة عسكرية تعتبرها تهديداً لأمنها، إلى جانب حسابات تتعلق بتركيا والدروز والحدود المحاذية للجولان.
وهنا تظهر الفجوة الأساسية بين الطرفين: فبينما يمكن التفاوض على الترتيبات الأمنية وإعادة ضبط الانتشار العسكري، يبقى ملف السيادة على الجولان أكثر تعقيداً بكثير.
حتى الآن، يبدو الجولان خارج أي تسوية قريبة. فالشرع يضعه في خانة الأرض السورية التي لا يملك أي رئيس حق التخلي عنها، في حين جاء موقف وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس حاسماً، إذ قال إن الجولان الخاضع للسيطرة الإسرائيلية جزء أبدي من إسرائيل، وإن القوات الإسرائيلية لن تنسحب من المنطقة الأمنية في سوريا أو من جبل الشيخ.
وتكشف هذه المواقف حجم المسافة التي لا تزال تفصل الطرفين، رغم التقدم الذي تتحدث عنه دمشق في بعض الملفات الأمنية.
وترى زيتون أن التوصل إلى تفاهم أمني بين دمشق وتل أبيب يبقى أكثر قابلية للنقاش من فتح ملف السيادة على الجولان بصورة مباشرة. ولذلك، يمكن قراءة المرحلة الحالية باعتبارها محاولة لبناء تفاهمات تدريجية وترتيب الواقع الميداني، قبل الانتقال إلى الملفات التي تتطلب قراراً سياسياً أكبر، وفي مقدمتها مستقبل الأراضي التي دخلتها إسرائيل، وشكل الحدود، والضمانات الأمنية، وصولاً إلى الجولان.

وتشير زيتون إلى أن القيادة السورية تدرك أن حكومة بنيامين نتنياهو تواجه حسابات سياسية وأمنية تجعل قدرتها على تقديم تنازلات كبيرة محدودة.
ومن هذا المنطلق، قد تكون دمشق معنية بانتظار صورة الحكم الإسرائيلي المقبلة، خصوصاً أن أي اتفاق كبير يحتاج إلى حكومة إسرائيلية قادرة على تحمّل تبعاته السياسية، وإلى إدارة أميركية مستعدة لدفع الطرفين نحو تسوية تتجاوز وقف التصعيد إلى ترتيبات أكثر استقراراً.
وتضيف زيتون أن واشنطن، وفق القراءة التي وصلت إلى دمشق، تنظر إلى مرحلة ما بعد الانتخابات باعتبارها فرصة محتملة لإعادة ترتيب العلاقة بين إسرائيل ودول المنطقة. وتبقى هذه القراءة تحليلاً سياسياً وليست تعهداً أميركياً معلناً، لكنها تفسر، بحسبها، سبب إبقاء دمشق قنوات التفاوض مفتوحة وعدم تحويل الخلاف حول الجولان إلى مواجهة تقطع الطريق أمام أي تسوية مستقبلية.
وفي المقابل، فإن استمرار نتنياهو في الحكم يبقى أحد العناصر الحساسة أمام أي مشروع أميركي لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي، خصوصاً أن الانتقال من تفاهمات أمنية إلى اتفاق سياسي شامل يحتاج إلى تغيّر في الحسابات السياسية داخل إسرائيل.
وفي قراءة لمسار الصراع، تستعيد زيتون تجربة الرئيس المصري الراحل أنور السادات وسيناء، ليس باعتبار التجربتين متطابقتين، وإنما للدلالة على أن ملفات تبدو مستحيلة في مرحلة معينة يمكن أن تدخل مساراً مختلفاً عندما تتغير القيادة والظروف الدولية وتصبح التسوية جزءاً من حسابات أوسع.
فسيناء بقيت لسنوات عنواناً للصراع المصري – الإسرائيلي، قبل أن تنتقل القضية إلى طاولة المفاوضات وتفضي إلى اتفاق أعاد تشكيل العلاقة بين القاهرة وتل أبيب.
ومن هذا المنطلق، ترى زيتون أن إعلان إسرائيل تمسكها بالجولان اليوم لا يعني بالضرورة أن الملف حُسم إلى الأبد، كما أن عودته إلى واجهة النقاش لا تعني أن استعادته باتت قريبة. فالواقع السياسي والقانوني والعسكري لا يزال شديد التعقيد.
لكن استمرار المفاوضات السورية – الإسرائيلية، ووجود وساطة أميركية، وعودة الملف السوري إلى صدارة الاهتمام الدولي، كلها عوامل تعيد القضية إلى الحسابات الكبرى في المنطقة.
من جهته، يقول الدكتور في القانون الدولي مجد عيون السود لـ"ليبانوس" إن كلام أحمد الشرع انطلق من مقولة "فاقد الشيء لا يعطيه"، موضحاً أن حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن الجولان باعتباره أرضاً ذات سيادة إسرائيلية أو تابعة لإسرائيل يتعارض، من وجهة نظر القانون الدولي، مع اعتبار الجولان أرضاً سورية.
ويشير عيون السود إلى أن الشرع، عندما أشار إلى نيوجيرسي، كان يقصد كلامه بدهائه المعهود، خصوصاً حين قال لترامب: "نيوجيرسي أعطها لإسرائيل"، في إشارة ساخرة إلى الولاية الأميركية.
ويرى أن الطرح لا يحمل بالضرورة غيظاً أو توتراً، ويمكن وضعه في إطار الممازحة السياسية، في ظل العلاقة القوية القائمة حالياً بين واشنطن ودمشق.
لكن، بحسب عيون السود، فإن الرسالة الأساسية التي رافقت المزحة واضحة: الجولان، من المنظور السوري، أرض سورية، ومسألة السيادة عليها لا تُحسم بتصريحات سياسية أو مواقف تصدر عن أي جهة، بل ترتبط بقواعد القانون الدولي.
وبين المزحة التي قالها الشرع لترامب والموقف الذي كرره أمام الأمم المتحدة تكمن العقدة الأكبر: المفاوضات قد تفتح أبواباً في الملفات الأمنية، لكن الجولان يبقى السؤال الأصعب والأبعد عن التسوية.