
يستمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تهديداته المتواصلة بضرب إيران والقضاء عليها، وهذه التّهديدات من شأنها عادةً أن تؤدّي إلى ارتفاع أسعار النفط إلى الارتفاع، نتيجة حالة الترقّب والقلق التي تسيطر على الأسواق حيال إمدادات الطاقة، لكنّ المشهد اختلف هذع المرّة، إذ سجّلت أسعار النفط تراجعًا ملحوظًا، بأكثر من 3%.
أثّرت المحادثات الإيرانيّة- القطريّة إيجابًا على أسعار النفط، التّي انخفضت بأكثر من ثلاثة بالمئة في التعاملات الآسيوية المبكرة اليوم.
ذلك خلال اليوم الثالث على التوالي، من المحادثات التّي تهدف وفق وكالة رويترز إلى التوصل لاتفاق ينهي الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
وقد تراجعت العقود الآجلة لخام البرنت، 3.68 دولارا بما يعادل 3.2 بالمئة إلى 109.75 دولارا للبرميل، في حين بلغ سعر خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 100.69 دولارا للبرميل، بانخفاض 3.43 دولارا أو 3.3 بالمئة.
هنا يأتي سؤال مشروع، لماذا قدتكون المفاوضات أقوى من التّصريحات التّصعيديّة لترامب؟
لفهم السبب وراء هذا التّراجع على الرغم من استمرار تهديدات الرّئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب إيران، لا بدّ من التّمييز بين مسألتين: ما يحدث على الأرض فعلًا، وما تتوقّعه الأسواق في الأيام المقبلة.
من هنا، لا تتأثّر أسعار النفط بالتّصعيد العسكري وحده، بل تتأثّر أيضًا باحتمالات التوصّل إلى اتفاق، وحركة الإمدادات، وتوقّعات المتداولين.
لذا هناك عدّة أسباب تساهم في تأثير المفاوضات على أسعار النّفط:
1. تراجع المخاوف من اتّساع الحرب
تخشى الأسواق أن يؤدي التصعيد العسكري إلى تعطيل إنتاج النفط أو نقله، ما يقلّص المعروض العالمي ويرفع الأسعار، لكن في المقابل، ظهور مؤشرات عن إمكانية التوصّل إلى اتفاق، يؤدّي إلى تراجع احتمالات حدوث اضطراب إضافي في الإمدادات، فتخفّ الضغوط الصعودية على الأسعار.
2. الأسواق تتفاعل مع ما قد يحدث، وليس فقط مع ما يحدث
فالمتداولون لا ينتظرون انتهاء الحرب فعليًا حتى يغيّروا قراراتهم، بل يتفاعلون أيضًا مع احتمالات تطوّر الأحداث. فإذا ارتفعت الآمال بالتوصّل إلى تسوية، قد يبيع بعض المستثمرين العقود النفطية التي اشتروها تحسّبًا للتصعيد، فتتراجع الأسعار حتى قبل التوصّل إلى اتفاق نهائي.
3. جزء من ارتفاع الأسعار قد يكون ناتجًا عن مخاطر التصعيد
فعندما تزداد المخاوف من الحرب، قد ترتفع الأسعار، ليس بسبب نقص فعلي في النفط فحسب، بل السبب الأساسي هو مخاوف الأسواق من احتمال انقطاع الإمدادات في المستقبل.
فحين تتراجع هذه المخاوف، يمكن أن تنخفض الأسعار مع تقلّص علاوة المخاطر، حتى لو لم تتغيّر الإمدادات الفعلية بصورة كبيرة.
4. التراجع لا يعني أن خطر التصعيد انتهى
يجب الانتباه لفكرة أساسيّة، أنّه رغم انخفاض أسعار النفط، لا تزال الأسواق تواجه مخاطر فعلية، خصوصًا وسط التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، الذي يشكّل ممرًا مهمًا لنقل النفط عالميًا.
أي وبشكل أبسط، يمكن القول أنّ التهديدات العسكرية لا تؤدي تلقائيًا إلى ارتفاع أسعار النفط، كما أن المفاوضات لا تضمن انخفاضها.
فالعامل الأساسي والحاسم، هو كيف تقيّم الأسواق احتمالات التصعيد أو التهدئة، ومدى تأثير ذلك في إمدادات النفط الحالية والمستقبلية.
من هنا يمكن القول أنّ تراجع أسعار النّفط يعني، أن آمال التقدّم الدبلوماسي وغياب تصعيد عسكري كبير خلال عطلة نهاية الأسبوع طغيا مؤقتًا على المخاوف المرتبطة بتهديدات ترامب.
بذلك، يبدو أنّ المحادثات حملت مؤشرات إيجابية إلى أسواق النفط، إذ تراجعت الأسعار رغم تهديدات ترامب المتواصلة والتلويح بإمكانية ضرب إيران في أي لحظة.
ويعكس هذا التراجع دور المحادثات في تهدئة مخاوف الأسواق، وسط آمال بالتوصّل إلى اتفاق يضع حدًّا للحرب ويخفّف من حدّة التوترات.
لكن من المهم أن نفهم نقطة أساسيّة: ليست المفاوضات وحدها التي ساهمت في التراجع المسجّل في الأسعار بل وفق تقرير لرويترز، أن الأسعار كانت قد حققت مكاسب قوية خلال الأسبوع السابق، ما يجعل جزءًا من الانخفاض بمثابة تصحيح لهذه المكاسب.