
جان ماري توما-
في هذه الأيام التي نشهد فيها على فظاعة الجيش الإسرائيلي وإجرامه، لا يمكن أن ننسى أن هذه المشاهد ليست وليدة اللحظة ولا بدأت مع تصعيد 2024، بل هي امتداد لسلسلة طويلة من الحقبات التي شهدت اعتداءات ومجازر في القرى اللبنانية الجنوبيّة. واليوم تتواصل هذه الاعتداءات لتطال أيضًا مناطق في البقاع وبيروت والضاحية الجنوبية.
ومهما كان هذا الوطن صامدًا، فلا بدّ أن ينبت في أرضه شواذٌ عنه، وانحرافات عن مساره العام.
وفي الحالة اللبنانية، ورغم صمود أهل الجنوب وتمسّكهم بأرضهم ومقاومة أبناء مختلف الطوائف للاحتلال، ظهر ما عُرف بـ جيش لبنان الجنوبي بقيادة أنطوان لحد، وهو تشكيل مسلّح نشأ خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، واعتمد على تجنيد بعض السكان المحليين، وشكّل جزءًا من المنظومة الأمنية المرتبطة بالوجود الإسرائيلي حتى الانسحاب عام 2000.
كان أنطوان لحد ضابطًا في الجيش اللبناني قبل أن ينشق خلال الحرب الأهلية، ليتولى لاحقًا قيادة ما عُرف بـ"جيش لبنان الجنوبي"، وهو تشكيل مسلّح عمل في جنوب لبنان تحت مظلة الاحتلال الإسرائيلي حتى عام 2000، حيث انهار هذا التشكيل وتفكك بالكامل بعد طرد إسرائيل وانسحابها، وفرّ لحد إلى إسرائيل حيث أقام في المنفى وتوفّي عام 2015.
ولكن، مثلما قلنا، "لحد" نشاز صغير وسط ألحان وطنية طويلة… والآن سأعرّفكم على المايسترو، سهى بشارة.
هي ناشطة لبنانية ارتبط اسمها بالمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان. في أواخر الثمانينات، وفي عمر الـ20 غامًا تمكّنت من التسلل إلى محيط أنطوان لحد عبر عملها كمدرّبة رياضية لزوجته داخل منزله في مرجعيون، ما أتاح لها التحرك داخله بشكل متكرر ودقيق ضمن خطة مدروسة.
عرّفت بنفسها لعائلة لحد بأنها مدربة "أيروبكس" لزوجته مينيرفا، وبالتدريج توطدت علاقتها مع أفراد العائلة وباتت تزورهم باستمرار، في مساء يوم العملية 17 نوفمبر 1988 دعت زوجة لحد سهى بشارة لتناول الشاي معها، وافقت بشارة على الدعوة ومكثت حتى وصول لحد، وبينما كانت تلملم حاجياتها للمغادرة، أطلقت بشارة طلقتين على لحد بمسدس عيار 5.45 ملم، وأصابت صدره وذراعه، ثم رمت بشارة المسدس بعيدًا قبل أن يقبض عليها حرسه الشخصي.
أنطوان لحد تم نقله إلى المستشفى في حيفا، وقضى ثمانية أسابيع فيه يُعاني من مشاكل صحية خطيرة من ضمنها أن ذراعه اليسرى أصبحت مشلولة. سعت إسرائيل بعد أن رأت أنّ أنطوان لحد لم يعد بكامل صحّته إلى إيجاد بديل له، وهو عقل هاشم، الذي قتل لاحقًا عام 2000
أمّا سهى بشارة فقد ألقى الحرس الشخصي لأنطون لحد القبض عليها، واعتقلت في معتقل الخيام الذي قضت فيه عشر سنوات.
إنها بطلة مناضلة سيظل اسمها خالدًا. ربما لم تستطع قتله فعلًا، لكنها لقّنته درسًا: أرضنا ليست للبيع، وأمثالك عاجلًا أم آجلًا إلى زوال.
ولنا تركت إرثًا من واجبنا الحفاظ عليه، خصوصًا النساء. لنا دور في هذه المعركة، بالكلمة أو بالتربية أو بالمساعدة... أو بالسلاح.
لأمثال أنطوان لحد: أصحاب الأرض حقّهم محفوظ مهما عصفت بهم الأيام.