
بعدما استقبلت وأشرفت الولايات المتحدة مراحل سابقة من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية، انتقل المسار هذه المرّة إلى العاصمة الإيطالية روما، في خطوة أثارت تساؤلات حول أسباب اختيار مكان جديد، وما إذا كان ذلك يعكس تغييرًا في طبيعة الوساطة أو في دور الأطراف المعنية.
لكن انتقال اللقاءات إلى روما لا يعني انتقال الملف من يد واشنطن، إذ لا تزال الولايات المتحدة تؤدي دور الوسيط الأساسي في هذا المسار، فيما يبدو أن اختيار العاصمة الإيطالية يرتبط بعوامل مرتبطة بطبيعة المرحلة الجديدة من المفاوضات.
قد يتساءل البعض: لماذا لم تُعقد الاجتماعات مجددًا في واشنطن، خصوصًا أن الولايات المتحدة هي الراعي الرئيسي للمفاوضات، وأن عددًا من المسؤولين والدبلوماسيين المعنيين يعملون أصلًا هناك؟
الإجابة ترتبط بشكل أساسي بطبيعة الوفود المشاركة. فهذه الاجتماعات لا تقتصر على السفراء أو المسؤولين السياسيين فقط، بل تضم عادةً شخصيات عسكرية وأمنية وتقنية، ما يجعل عامل القرب الجغرافي مهمًا.
فالوصول إلى روما من بيروت أو تل أبيب يستغرق وقتًا أقل بكثير مقارنة بالسفر إلى الولايات المتحدة، الأمر الذي يسمح بعقد لقاءات أسرع وأكثر مرونة عند الحاجة.
فضلًا عن أنّ روما تُستخدم بشكل متكرر لاستضافة لقاءات حساسة بين أطراف لا تربطها علاقات مباشرة، بسبب موقعها الجغرافي وعلاقاتها مع مختلف الأطراف.
ويأتي نقل اللقاءات في وقت يبدو فيه أن المسار انتقل من مرحلة البحث في الإطار العام إلى مناقشة خطوات عملية، تتعلق بآليات تطبيق أي تفاهمات محتملة، وترتيبات المرحلة المقبلة، بما فيها القضايا الأمنية والحدودية والجهات التي ستشرف على التنفيذ.
كل هذا التفسير، على الرغم من أنّ إسرائيل لم تبدِ أي نيّة لتنفيذ أي من النقاط المبدئيّة المتفق عليها في أميركا، فهي حتّى لم تطبّق "المناطق التجريبيّة".
وهنا تكمن أهمية المرحلة الجديدة، إذ إن التحدي لم يعد فقط في الوصول إلى تفاهم سياسي، غير مطبّق بل في كيفية تحويل هذا التفاهم إلى خطوات ميدانية قابلة للتنفيذ.
رغم انتقال مكان الاجتماعات، لا توجد مؤشرات على تراجع الدور الأميركي. فالولايات المتحدة تبقى الطرف الأكثر تأثيرًا في إدارة هذا المسار، خصوصًا بسبب قدرتها على التواصل مع الطرفين وممارسة الضغط السياسي عند الحاجة.
وبالتالي، فإن روما تبدو أقرب إلى كونها تغييرًا في مكان إدارة المفاوضات وليس تغييرًا في الجهة الراعية لها.
وسواء كانت المفاوضات تُعقد في الولايات المتحدة أو في روما، يبقى السؤال الأبرز: هل ستلتزم إسرائيل بالتعهدات التي تُطرح خلال هذه المفاوضات، ولا سيّما ما يتعلق بالانسحاب؟ يأتي ذلك في ظل تصريحات وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي أكد أن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من "المناطق الأمنية" التي يسيطر عليها في جنوب لبنان، مشددًا على أن القوات ستبقى هناك لفترة طويلة، حتى في حال طلبت الإدارة الأميركية ذلك.