logo
logo
logo

الأخبار

ليلة أيلول الأسود.. إعلامي عربي يروي تفاصيل صادمة عن ليلة اغتيال نصرالله

ليلة أيلول الأسود.. إعلامي عربي يروي تفاصيل صادمة عن ليلة اغتيال نصرالله

يروي الإعلامي في قناة «المنار» عمرو ناصف تفاصيل الساعات التي عاشها في الضاحية الجنوبية لبيروت، عشية الإعلان عن استهداف السيد حسن نصرالله، مستعيدًا لحظات الخوف والذهول التي عاشها منذ الدقائق الأولى للغارات، وصولًا إلى صباح السبت 28 أيلول، حين بدأت تتضح النهاية.

يقول ناصف في منشور عبر حسابه في فيس بوك:

 

كنت في مدخل العمارة التي أسكن فيها في الضاحية. ألقيت التحية على البواب، وداعبت ابنتيه كعادتي، ووعدتهما ببعض الحلوى التي أحملها. نظرت إلى الساعة، وكانت عقاربها تشير إلى السادسة والثلث مساءً. كانت لا تزال لدي فرصة للنوم ساعتين قبل وصول ضيفي إياس.

 

images - 2026-09-27T143658.680.jpeg

 

فجأة، بدأت البناية ترتج بأصوات ضربات متتالية، تشبه صوت الرشاش، لكنها أعلى وأضخم وأعمق بمئات المرات.

 

تعالى صراخ الجيران والأطفال، لكن صوت خفقان قلبي كان أعلى. كانت أصوات الضربات تشبه تلك التي سمعتها في اليوم الأخير من حرب عام 2006، حين استُهدف مجمع الإمام الحسن.

 

خرجت إلى باحة مدخل البناية هائمًا، وقد تدافعت وتزاحمت في رأسي كل الأفكار السوداء. اتصلت مرارًا بالحاج محمد عفيف، وأخيرًا رد.

سألته: «خير يا حاج؟»

أجاب بصوت يكاد لا يُسمع: «ما بعرف يا أبو حسين».

لم تزد مدة المكالمة على أربع ثوانٍ.

ما ينفعش الحاج محمد عفيف ما يكونش عارف. الحاج محمد عفيف أكيد عارف.

كان هذا الحوار الداخلي كفيلًا بأن تتقلص الأفكار السوداء، ولم يتبقَّ منها إلا الأشد سوادًا.

تلفتُّ حولي، فلم أجد أحدًا من جيران البناية أو من سكان الأبنية المجاورة. عدت إلى شقتي، وألقيت نفسي على سريري، ورحت في نوم عميق قطعه رنين الهاتف، فيما كانت الكهرباء مقطوعة.

كان المتصل يقول: «كيفك أبو حسين؟ وينك؟»

أجبته: «في البيت».

صرخ: «أي بيت؟ بيتك؟»

قلت: «نعم».

فقال: «البناية اللي حدك بدأت تنقصف.. اترك البيت هلأ، بسرعة».

سألته: «بناية إيه اللي حاتنقصف؟ إنت بتهرج؟»

فأجاب: «يا أبو حسين، اترك البيت فورًا.. وابعد عن الشارع 500 متر».

قلت: «طيب، طيب».

 

 

798450.jpeg.webp

 

انتهت المكالمة، ولم تكن لدي نية فعلية للخروج. لكنه اتصل بعد خمس دقائق، وكانت ثورته أكبر حين عرف أنني لم أغادر.

احتددت عليه وقلت: «الله يخليك، موش ناقصة هزار»، ثم سألته: «بناية إيه اللي حاتنضرب؟ عرفت منين؟»

عندها أخبرني بأن أفيخاي أدرعي نشر التحذير على منصة «إكس».

على ضوء الهاتف، خرجت من المنزل بالشبشب، مرتديًا تي شيرت أسود وبنطلون جينز. كان الظلام دامسًا، ولم تكن في الطرقات سوى خطواتي.

 

ابتعدت عن المكان، ولم أكن أعرف إن كنت ابتعدت 500 متر أم أقل أم أكثر، لكن شدة الغارة أشعرتني أنني تحتها مباشرة.

اتصل بي مجددًا ليطمئن عليّ، وطلب مني ألا أعود إلى المنزل حتى يخبرني، وأن الأفضل أن أبيت في مكان خارج الضاحية.

جلست على الرصيف قبالة مخبز الأمراء. أجريت عدة اتصالات بحثًا عن مكان أبيت فيه. كثيرون رحبوا بي، لكن المشكلة أنني لم أكن أحمل سوى 12 ألف ليرة، وحتى لو كان معي المال، لم يكن في المكان ولا في الجوار بشر أو سيارات.

بعد نحو ساعة، قررت العودة إلى المنزل. اتصلت به، فنَهاني تمامًا، وأخبرني بأن البناية تضررت كثيرًا.

سألته: «ضربة الستة وتلت كانت على مين؟»

فهمت من صمته وإجابته.

قال: «الأيام الجاية يا أبو حسين صعبة كتير».

هنا بدأ الخوف يتأكد، وبدأت ملامح اليُتم الحقيقي ترتسم.

لم تنقطع اتصالات زوجتي وابني حسين بي، ولم يكن لدي جواب عن أسئلتهما: كيف سأتصرف؟ أين سأنام؟ ومن أين سأدبر المال؟

وتحت إلحاح أصدقاء سوريين على «فيسبوك»، وافقت على أن أبيت عندهم. وبطريقة ما، وصلت إليهم بعد منتصف الليل، حيث كانوا يسكنون في منطقة الزيتونة.

باستثناء نوبات قصيرة من الغفوات، لم أنم ليلتي.

كنت أراقب على الهاتف كل ما يمكنني متابعته من مواقع وتلفزيونات ووكالات. وكلما ظهرت على الشاشة كلمة «عاجل»، كان جسدي كله يرتعش، وكان خفقان قلبي يكاد يصم أذني.

إلى أن أشارت عقارب الساعة إلى السابعة تمامًا من صباح السبت 28 أيلول الأسود.

عندها أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، عبر متحدثيه الرسميين، ناداف شوشاني وأفيخاي أدرعي، أنه تم استهداف السيد.

حاولت أن أشحن نفسي وعقلي برصيد من الأمل، في انتظار بيان رسمي من عندنا، لكنني فشلت.

كانت كلمة النهاية جلية.

الستار يُسدل، ولم يعد هناك متسع في ما تبقى من العمر إلا للحزن.